مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
286
تفسير مقتنيات الدرر
المعنى : لمّا تقدّم أنّ إيمان الإلجاء غير نافع بيّن في هذه الآية أنّ ذلك لو كان ينفع لأكره أهل الأرض عليه فقال : * ( [ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ] ) * يا محمّد لآمن أهل الأرض جميعا وأكرههم قهرا على الإيمان أي بقدر على هذا الأمر كما قال في موضع آخر : « إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ » « 1 » وكذلك قال بعده : * ( [ أَفَأَنْتَ تُكْرِه ُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ] ) * أي لا ينبغي أن تريد إكراههم على الإيمان مع أنّك لا تقدر عليه لأنّ اللَّه تعالى يقدر عليه ولا يريده لأنّه ينافي التكليف . وأراد بهذا المعنى سبحانه تسلية الرسول وتخفيف ما يلحقه من التحسّر والحرص على إيمانهم . وفي هذا أيضا دلالة على بطلان قول المجبّرة : « إنّه تعالى لم يزل كان شائيا وإنّه لا يوصف بالقدرة على أن يشاء » وهذا باطل لأنّه تعالى أخبر أنّه لو شاء لقدر لكنّه لم يشأ فلذلك لم يوجد ولو كانت مشيئته أزليّة لم يصحّ تعليقها بالشرط فصحّ أنّ مشيئته فعليّة ألا ترى أنّه لا يصحّ أن يقال : لو علم ولو قدر كما صحّ أن يقال : لو شاء ولو أراد . قوله : * ( [ وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّه ِ ] ) * المعنى أنّه لا يمكن أحد أن يؤمن إلَّا بإطلاق اللَّه له في الإيمان وتمكينه منه ودعائه إليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك وقيل : إنّ إذنه هاهنا أمره . وقيل : إنّ إذنه هنا علمه . أي لا تؤمن نفس إلَّا بعلم اللَّه . * ( [ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ ] ) * والعذاب * ( [ عَلَى الَّذِينَ لا ] ) * يتفكّرون حتّى * ( [ يَعْقِلُونَ ] ) * والمراد من الرجس قيل : السخط والغضب . وقيل : النتن . والرجز والرجس واحد . قال أبو عليّ الفارسيّ : الرجس على ضربين أحدهما بمعنى العذاب ، والآخر بمعنى القذر والنجس . فحينئذ المعنى يحكم بأنّهم رجس كما في قوله : « إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ » « 2 » قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 101 إلى 103 ] قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَما تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 ) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 102 ) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ( 103 )
--> ( 1 ) الشعراء : 4 . ( 2 ) التوبة : 29 .